حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
22
شاهنامه ( الشاهنامه )
رأته الطيور نطقن باذن اللّه باللسان الرومي . فدنا من طائر وأصغى ليسمع كلامه فقال له : ماذا تريد أيها الثعبان من الدنيا الفانية ؟ وأنت لو بلغت السماء لم يكن لك بد من الموت . ثم قال للاسكندر : هل حدث الزنا وهل استعمل الآجرّ في البناء ؟ فقال نعم . فقال : وهل قرع سمعك صوت المزهر ، وصياح السكران ، ونغم الغناء ؟ فقال نعم . فنزل اليه الطائر عند ذلك وقال : أيما أكثر : العلم مع السداد أم الجهل مع الفساد ؟ فقال العالم بين الناس عزيز . فرجع الطائر إلى مكانه وقال له : هل يسكن العباد في بلادكم الجبال ؟ فقال : وهل لهم سكنى إلا في الجبال ؟ ثم قال له : اصعد إلى رأس هذا الجبل وحدك راجلا ليس معك أحد فأبصر ما هناك رؤية الإسكندر الملك إسرافيل فصعد الإسكندر وحده فرأى إسرافيل عليه السلام . على رأس ذلك الجبل وبيده الصور ، وقد نفخ شدقيه ، وملأ من الدموع عينيه ينتظر متى يأتيه الأمر فينفخ قال : فلما نظر إلى وجه الإسكندر صالح عليه وقال يا عبد الحرص ! لا تجهدن هذا الجهد فسوف يأتيك الأمر بالمسير ، ويقرع سمعك النداء بالرحيل . فقال الإسكندر : لم يقسم لي غير الحركة والطواف في أقطار الأرض . ثم نزل من الجبل حيلف كآبة ورنين . وعاد القهقرى إلى الظلمات . فلما توغلها هتف هاتف من الجبل الأسودا الذي كان هنالك وقال : من يحمل من حجارة هذا المكان يندم ومن لا يحمل منها فهو أيضا يندم . فحمل منها بعضهم وأعرض عنها بعضهم . فلما خرجوا من تلك الظلمات رأوا تلك الحجارة جواهر ويواقيت فندم من حمل حيث لم يستكثر ، وندم من لم يحمل حيث لم يحمل . ذهاب الإسكندر إلى شرق الكرة الأرضية ورؤيته الأعاجيب وبنائه سد يأجوج ومأجوج قال : ثم إن الإسكندر أقام بعد خروجه من الظلمات مقدار أسبوع . ثم ارتحل متوجها نحو المشرق فسار حتى انتهى إلى مدينة كبيرة فاستقبله أكابر أهلها فأكرمهم الإسكندر وأحسن إليهم . ثم سايلهم عن عجائب ما هنالك فأجهشوا اليه بالبكاء وقالوا : أيها الملك ! إن أمامنا أمرا عظيما لا بدّ لنا من عرضه على رأيك . ونحن منه في عناء وتعب شديد . وذلك أن وراء هذا الجبل يأجوج ومأجوج . وهم يفسدون في أرضنا ويعيثون في بلادنا . وهم في خلقهم بحيث لا تتجاوز قامة أحدهم شبرا . ومع ذلك فقد ملئوا الأرض فساد وشرا . ولهم وجوه كوجوه الإبل ، وأنياب كأنياب الخنازير . ألسنتهم سود وأعينهم حمر . وعلى أبدانهم شعور في لون النيل ، ولهم آذان كآذان الفيلة . إذا نام أحدهم افترش إحدى أذنيه والتحف بالأخرى . لا بموت الأنثى منهم حتى تلد ألف مولود . وهم في الكثرة بحيث لا يعرف عددهم إلا اللّه عز وجل . وإذا كان فصل الربيع وجاش البحر وأرعد الجوّ